مصنعٌ صغيرٌ لتصنيع الورق .. تحول إلى شرِكَةٍ يقوم عليها اقْتصاد فنلندا!


img description

في القرن التّاسع عشر، زار مهندس فنلندي يُدعى (فريدريك إيدستام)  ألمانيا للدراسة، ومرّ – كإجراء طبيعي لرِحْلَتَه الدراسية – على بعض المصانع، مُلاحظاً آلة جديدة تحوّل الأخشاب إلى مادة تسهّل صِنَاعَة الورق.

بَدَأَ (فريدريك) تطبيق فكرته عِنْدَ عودته إلى فنلندا، فأسس مصنعاً صغيراً يعتمد على هذه الآلة، وجهّز بعض التّجهيزات، وأقام مصنعه قرب نهر في فنلندا، يُدعى (نوكيا) فسمّى المهندس الفنلندي شركته الصَّغِيْرَة القائمة على تصنيع الورق وورق الحمامات تحديداً– باسم (نوكيا) تيمناً باسم النهر.. ولم يكن يتوقع طبعاً أن اسم نوكيا هذا سيغزو العالم كله حرفياً، ويصير دارجاً على كُلّ الألسّنة، مِن أقصى شمال العالم في فنلندا، وحتى جنوب أفريقيا وتشيلي وجنوب أستراليا.

الكُلّ يعرف ماذا تعني كلمة (نوكيا)! بعْدَ تأسيس مَصْنَع الورق، جَاءَ رجل أعمال آخر ليؤسس مصنعاً آخر للمطاط على ضفاف النهر, ثمَّ جَاءَ رجل أعمال ثالثّ ليؤسس مصنعاً للكابلات الكهربائية والأجهزة والتلغرافات، التي بدأت تنتشر في النصف الأول مِن القرن العشرين.

هنا وبَعْدَ فَتْرَة اتَّحدت الشَرِكَات الثّلاثة لتأسيس مَجْمُوعَة شَرِكَات (نوكيا)، التي بدأت بالتدريج تتجه بشكل أساسي إلى صناعات الأجهزة المتطورة، وأجهزة الاتصال, صحيح كَانَت تحقق نمواً بطيئاً حتى نهاية السّتينات، إلا أنها كَانَت تنتج أجهزة ذات جودة عالية, ثمَّ جَاءَ السّبعينيات، وبدأت نوكيا انطلاقة عَالَمِيَّة في مَجَال أجهزة الاتصال، فاستطاعت الشَرِكَة أن تطوّر ساعة ديجيتال متطورة، وبدأت توسع في التّعاون مَع شَرِكَات عملاقة، مثل شَرِكَات غاز وبترول وسكك حديدية ومؤسسات عسكرية، وجامعات ومدارس، وأَصْبَحَ شعار نوكيا معروفاً بشدة في أوروبا والاتحاد السّوفيتي تحديداً.

وفي الثّمانينيات، أعلنت نوكيا عَن صِنَاعَة أو جهاز اتصال محمول في العالم، كَانَ شَدِيْد التوّاضع وبأدوات محدودة للغاية، إلا أنه كَانَ يعتبر ثورة في الاتصال وقتها، واحتلت المركز الثّالثّ في أوروبا في مَجَال تصنيع التّلفزيونات.

أما التّسعينات مِن القرن العشرين، فقد كَانَت الانطلاقة الكبرى لشَرِكَة (نوكيا)، مَع تصميمها لهواتف الديجيتال الرقمية المحمولة، وربطه بشبكات الهواتف التي بدأت تنتشر وقتها، وتقريباً لم يكن هناك سواها في السّوق العالمي كله لعدة سنوات، كَانَت فيه الشَرِكَة الفنلندية هي عرّاب الهواتف المحمولة حول العالم.

التراجع الحقيقي بَدَأَ منذ إطلاق شَرِكَة (أبل) الأَمْرِيْكِيَّة لهواتف (الأيفون)، ونظم التشغيل، ومفهوم الهواتف الذكية، والتنافس العالمي المحموم بينها وبين (سامسونج) و(سوني) وغيرها، جعل الشَرِكَة الفنلندية تتراجع في السّباق على مستوى وحدة الهواتف المحمولة في الشركة، والذِي استحوذت عليه شَرِكَة (مايكروسوفت) العَالَمِيَّة بصفقة تقدر بحوالي 7.2 مِلْيَار دولار، مَع الحفاظ على اسمها ومكانتها السّوق.

اليوم يعَمل في (نوكيا) قرابة 100 أَلْف مُوَظَّف موزعين في 120 دولة، ومبيعاتها تشمل 150 دولة, وتدر عوائد سنوية تقدر ب 30 مِلْيَار يورو، وتعتبر ثاني أكبر مَصْنَع للهواتف النقالة في العالم، وضمِن أفضل  500 شَرِكَة عَالَمِيَّة بحسب تصنيف (الفورتشن) المؤكد أن المهندس الفنلندي، الذِي أسس مَصْنَع لصِنَاعَة الورق، وأصحاب الشركتين الصغيرتين لصِنَاعَة الكابلات والمطاط، لم يكونوا يتخيلون أن هذه المَجْمُوعَة الصَّغِيْرَة ستصبح عملاقاً عالمياً يربط العالم كله ببعضه البعض، ويرفع شعار  Connecting People  كعلامة تجارية دائمة للشركة, والأهم، أن هذه الشَرِكَة العملاقة تساهم بمقدار كَبِيْر في دعم الاقْتِصَاد لدولة فنلندا.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *