لا أعرف في هذه الدنيا سوى صناعة الصابون


img description

ولد في العَام1783، في (كِنت) في إنجلترا، في أسرة بريطانية عريقة إن جاز التّعبير عندما جَاء (ويليام) إلى الوجود، كَانَت ظُرُوْف الأسرة شَدِيْدَة السّوء، وكَانَت الهجرات الأوروبية إلى الولايات المتحدة باعتبارها أرض الأحلام كثيفة.. فانتقل مَع والديه إلى ولاية (الميريلاند) الأمريكية، وهو ابن 15 عاماً ولكن يبدو أن أرض الأحلام المُتصوّرة، لم تكن ترحّب بهم في البداية.

عمل أبوه في أَكْثَر مِن مكان، خصوصاً في شَرِكَات الصابون وجعل ابنه (ويليام) يساعده في الأَعْمَال التي يقوم بها، إلى أن بلغ (ويليام) السّادسة عشرة مِن عمره، وطلب أبوه أن يقابله ويعيره انتباهه لخطورة ما سيقوله.. قال له أبوه: (ويليام) أنا كَبِيْر في السّن، ولم أعد أستطيع إعالتك عليك مِن الآن أن تشق طريقك بنفسك أعرف أن هذا يبدو قاسياً، ولكنها الحَيَاة رغْمَ كُلّ شيء!.

خرج الفتى إلى الشارع، وهو يندب حظه العاثر.. هو فتى فقير، لا يملك مؤهلا تعليمياً.. بلا عمل.. بلا خبرة حقيقية في أي شيء، سوى بعض التّدريب والمساهمات الخفيفة مَع أبيه في شَرِكَات الصابون التي عَمل بها.

هكذا، قَرَّرَ (ويليام) أن يغادر (الميريلاند) متجهاً إلى (نيويورك) حَيْثُ الفرص أفضل.. وحَيْثُ يكون قادراً على البحث عَن شَيْء ما يساهم فيه.. وعَلَى قارب صَغِيْر متجه إلى الولاية العملاقة، جثا (ويليام) على ركبتيه، وسمعه الجميع يقول: “يا رب أنا لا أعرف في هذه الدنيا سوى صِنَاعَة الصابون كنت أساعد أبي في عَمله أحياناً ماذا عليّ أن أفعل الآن” كان صوت الفتى عالياً وسمعه الجميع، إلا أنه لم يبدُ أن أحداً أعاره انتباهه، رُبّمَا لأن معظم الركاب يتوجهون إلى (نيويورك) للبحث عَن عَمل أيضاً في مصير مجهول، إلا أن بحاراً كَبِيْر السّن تقدّم منه في هدوء، وسأله:

– لماذا انت متوجّه إلى نيويورك؟

– فأجاب الفتى: أبحث عَن عَمل هناك

– فسأله العجوز: هل لديك حلم؟

– فأجابه مَرَّة أخرى: أتمنى أن أبنِي مصنعاً كبيراً لأحقق حُلْم أبي، وأرى اسمي واسم والدي على هذا المصنع

فابتسم العجوز وقال له: أعرف أن هناك شخص ما سيكون صاحب أعظم شَرِكَة صابون في العالم.. إما أن يكون أنت، وإما أن يأخذ هذا اللقب شخص غيرك، فكن أنتَ هذا الشخص، ولا تدعها لغيرك وأخبره – كأنه هدية مِن السّماء– أنه سيرسله للعَمل في مَصْنَع للصابون يعرفه في (نيويورك) فقط.. كُلّ ما طلبه البحّار منه في النهاية أن يلتصق بحلمه كما يلتصق طابع البريد في الخطاب، ولا يتخلى عنه أبداً.. وقال له: كن أميناً في موازينك.

هَذِهِ القِصَّة المُلهمة عرفها العالم كله فيما بعد، والتِي بدت للفتى فرصة ذهبية، فالتحق بالفعل بالمَصْنَع الذِي أرشده إليه البحّار الأمريكي، وبَدَا منذ اليوم الأوّل شَدِيْد الكفاءة والمهارة تعلم (ويليام) كُلّ شيء.. راقب خطوات المصنع، وكيفية الإدارة، وكيفية عمل الآلات، وعدد العمال، وكيفية تسويق المنتجات، وكيفية تحديث المنتجات، وتحميل البضائع، وكافة المهارات في هذه الصناعة، التي لم يكن يجيد غيرها منذ البداية، وصقلها بالعَمَل في مَصْنَع بـ (نيويورك).

ومع نموّ أرباحه، وتوليه مناصب عليا في الشركة، استطاع (ويليام) أن يشتري حصة كَبِيْرَة مِن هذا المصنع، ويتحوّل إلى شَرِيْك فيه بدلاً مِن مجرد عامل.. ثمَّ حصل على نصيب أكبر مِن الشراكة في وقت لاحق، حتى استطاع في النهاية شِرَاء المَصْنَع كله، وبدء مرِحْلَة جديدة من قيادته تحت اسمه هو شرَكةَ (كولجيت) لصاحبها (ويليام كولجيت)، التي تأسست في العاَم  1806  تمدد نشاط الشَرِكَة كثيراً، وشمل صِنَاعَة الشموع، والصابون، ثمَّ ركزت بشكلٍ خَاص على صِنَاعَة معجون الأسنان، وتميزت فيه بشكل هائل، حتى أَصْبَحَ السّوق الأمريكي يعج بمنتجات كولجيت.

في بدايات القرن التّاسع عشر توفي (ويليام)  في العَام 1857 وخَلَفَهُ أبناؤه في قيادة الشركة، بَعْدَ أن ضرب مثلا رائعاً في النجاح، لفتى غير متعلم، غير مؤهل، في بلاد غريبة، وفي ظُرُوْف سيئة؛ استطاع أن يؤسس إِمبْرَاطُورِيَة صناعية عالَمِيَّة ضخمة، تعرفها كُلّ دول العالم الآن، وتبلغ الان العائدات لشَرِكَة (كولجيت) الأَمْرِيْكِيَّة العملاقة حوالي 17 مِلْيَار دُوْلار سنوياً، ويعَمل بها قرابة 40 أَلْف مُوَظَّف حول العالم، ولها عدة مَصَانِع في قارات العالم المختلفة.. بدأت كُلّ هذه الإِمبْرَاطُورِيَة بفتى يبكي على متن سفينة تتجه به إلى المجهول!

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *